الاثنين، 25 يوليو، 2016

نقد وتطوير نموذج (هارود – دومار)




نقد وتطوير نموذج(هارود دومار)[1]
 يُعتبر نموذج(هارود دومار) من أهم النماذج المستخدمة في حساب معدلات النمو الاقتصادي، لذا كان من الضروري العمل على تطويره وتلافي العيوب التي نرى أنها تعتريه. ويقوم النموذج أساساً على قسمة معدلات الاستثمار على معاملات رأس المال .
ومن هنا فإن تلك العيوب تقع في أحد هذين الشقين. وتنحصر عيوب الشق الأول في مدى مصداقية البيانات المستخدمة، أما عيوب الشق الثاني والخاصة بمعاملات رأس المال فيضاف إلى مصداقية البيانات أسلوب الحساب المستخدم، وهو ما سنقوم على تطويره.  ويعد مفهوم معامل رأس المال  Capital Co-officient،  أو  نسبة رأس المال/الناتج  Capital / Output Ratio  من المفاهيم الأساسية في نموذج(هارود - دومار)، والنماذج الأخرى المشتقة منه. ويعرّف ذلك المفهوم بأنه حجم الاستثمار اللازم لتوليد وحدة واحدة من الدخل، أو حجم رأس المال اللازم لزيادة الناتج بوحدة واحدة. وفي هذه الدراسة نقدم ثلاث معادلات جديدة تساعد على التخلص من عيوب النموذج
ويمكن التعبير عن نسبة (رأس المال/الناتج) كنسبة متوسطة أو كنسبة حدية، فالنسبة المتوسطة (لرأس المال/الناتج): تعبر عن العلاقة بين مخزون رأس المال الفعلي وبين إجمالي تدفق الناتج الجاري خلال فترة زمنية محددة، ويمكن حسابه عن طريق قسمة ما تم استثماره (التكوين الرأسمالي الثابت) على إجمالي ما تم إنتاجه معبراً عنه بإجمالي الدخل خلال فترة زمنية محددة، وبذلك يُعد هذا المفهوم لرأس المال مفهوما ساكنا. أما النسبة الحدية (لرأس المال/ الناتج): فتعبر عن العلاقة بين التغير في مخزون رأس المال وبين التغير في الناتج الجاري خلال فترة زمنية محددة، وبذلك يعد هذا المفهوم (رأس المال/ الناتج) مفهوما حركيا. ويشاع في أدبيات التنمية استخدام مصطلح نسبة( رأس المال/ الناتج)، وفي هذه الحالة فإن معامل رأس المال إنما يعبر عن النسبة الحدية (لرأس المال/ الناتج) وليس النسبة المتوسطة. كما أنه إذا أستخدم مصطلح نسبة ( رأس المال/ الناتج) بدون الإشارة إلى ما إذا كانت تلك النسبة متوسطة أم حدية فإنه يقصد بها النسبة الحدية (لرأس المال/ الناتج)، لأن المفهوم الحركي للمعامل هو الذي يُستخدم في تقدير معدل النمو وليس المفهوم الساكن. وإذا كان قياس معدلات النمو باستخدام نموذج (هارود دومار) يستند إلى قسمة معدل الاستثمار على معامل رأس المال، وحيث أن الشق الخاص بمعدل الاستثمار من المتغيرات التي يسهل التحكم فيها، يُصبح معامل رأس المال هو الشق الأساسي المتحكم في درجة دقة حساب معدلات النمو، وبالتالي يُمكن إرجاع غالبية أخطاء الحساب إلى عدم دقة حساب ذلك المعامل، وهو ما يتعين إعادة النظر فيه.

أولا: العوامل المؤثرة ومحاذير الاستخدام:
تخضع قيمة معامل رأس المال إلى العديد من العوامل التي تختلف في درجه تأثيرها على تلك القيمة باختلاف البلدان محل الدراسة، وباختلاف الفترة الزمنية في البلد الواحد. كما أن لنوعية سياسات التنمية انعكاس كبير أيضا على هذا المعامل. ورغم أهمية ذلك المعامل، إلا أن هناك العديد من الاعتبارات التي يجب وضعها في الاعتبار عند استخدامه في الحساب، وهو ما نحاول التعرف عليه في هذا القسم.

1-    العوامل المؤثرة على قيمة المُعامل:
هناك العديد من العوامل المؤثرة على قيمة معامل رأس المال، إلا أنه يُمكن حصر أهم هذه العوامل في النقاط التالية:
أ - ترتفع قيمة المعامل في حالة زيادة الاستثمارات الموجهة إلى قطاعات تتميز بارتفاع قيمة معامل رأس المال بها، كالصناعات الثقيلة والطاقة  والبنية الأساسية، بينما تنخفض قيمة المعامل في حالة زيادة الاستثمارات الموجهة إلى قطاعات تتميز بانخفاض قيمة ذلك المعامل بها، كالصناعات الخفيفة والزراعة. وعلى ذلك فهناك علاقة وثيقة بين هيكل الاستثمار القطاعي وبين قيمة المعامل العام لرأس المال.
ب - وكما تختلف قيمة معامل رأس المال بين القطاعات الاقتصادية وبعضها البعض فإنها تختلف أيضا بين المشروعات الاقتصادية وبعضها البعض داخل القطاع الواحد، وعلى ذلك فإن قيمة المعامل داخل كل قطاع ترتفع في حالة زيادة الاستثمارات الموجهة إلى مشروعات تتسم بارتفاع قيم معامل رأس المال لها، والعكس صحيح.
ج - في حالة التوجه نحو استخدام التقنية الحديثة ذات التكلفة  العالية، أي نحو المشروعات كثيفة رأس المال فان ذلك يؤدي إلى رفع قيمة معامل رأس المال.
ء - أيضا فإنه كلما ازدادت درجة التمويل الذاتي للمشروعات بدلا من الاقتراض الخارجي كلما ساعد ذلك على خفض قيمة المعامل العام لرأس المال. نفس الشيء ينطبق على المشروعات داخل القطاعات حيث تنخفض قيمة معامل رأس المال للمشروع كلما ارتفعت  درجة اعتماده على التمويل الذاتي.
هـ - في سوق مستلزمات الإنتاج  كلما ارتفعت مرونة الإحلال بين مستلزمات الإنتاج كلما ساعد ذلك على تجاوز تأثير ارتفاع أسعار بعض عناصر هذه المستلزمات وبالتالي انخفاض قيمة المعامل الخاص بالمشروع. أما في سوق السلع النهائية فان التغير السريع في نمط الطلب الاستهلاكي يستدعي تغيير نوعية الاستثمار لمواجهة نمط الطلب الجديد مما يؤثر على خفض معدل الأداء للمشروعات السابق إنشائها لمواجهة طلب السوق.
و - كما تنعكس كفاءة الأداء الاقتصادي للمشروعات على قيمة المعامل. ونقصد بكفاءة الأداء الاقتصادي ارتفاع معدل الأداء والحفاظ على الأصول الرأسمالية وفقاً لمعدلات الاندثار الافتراضية، والرفع المستمر لكفاءة العاملين، بالإضافة إلى توفير مستلزمات الإنتاج في المواعيد التي تمنع حدوث إختناقات في خطوط الإنتاج، مع الحفاظ على مواصفات المنتج النهائي بما يضمن استمرارية تسويقه.
ز - وأخيراً فان طول فترة توليد العائد تعد من العوامل الهامة والمؤثرة على قيمة معامل رأس المال لأنه كلما طالت فترة التوليد ( أي الفترة بين بداية إنشاء المشروع إلى بداية الحصول على العائد) كلما انعكس ذلك على قيمة المعامل بالارتفاع.

2- سياسات التنمية وعلاقتها بقيمة المُعامل:
بالإضافة إلى العوامل المؤثرة على قيمة معامل رأس المال السابق ذكرها فان لسياسات التنمية الاقتصادية تأثير كبير على قيمة ذلك المعامل وذلك على النحو التالي:
أ - إذا كانت سياسة التنمية الاقتصادية تستهدف التوسع في الإنتاج الصناعي فان ذلك يعني أيضا التوسع في المناطق الحضرية، أو إنشاء مناطق حضرية جديدة مع ما يستلزم ذلك من زيادة في الإنفاق على البنية الأساسية والمرافق مما ينعكس على قيمة المعامل بالارتفاع.
ب - وإذا كانت سياسات التنمية تستهدف بالدرجة الأولى استيعاب القوى العاملة والقضاء على البطالة، فأن ذلك يعني أن تتوجه عملية التنمية الاقتصادية نحو المشروعات كثيفة العمالة بدلا من المشروعات كثيفة رأس المال مما ينعكس على قيمة المعامل بالانخفاض.
ج - كما أن تبني المجتمع لسياسات خاصة بالقضاء على الأمية ورفع مستوى التعليم والتدريب  للسكان يستلزم إنفاق استثماري كبير مما يؤدي في البداية إلى رفع قيمة المعامل على المدى القصير. إلا أن ذلك الإنفاق الاستثماري يعمل على رفع كفاءة التشغيل في كافة قطاعات المجتمع مما يساعد على خفض قيمة المعامل على المدى الطويل.
ء - بشكل عام يمكن القول أن معامل رأس المال يكون كبيراُ عند بداية عملية التنمية نظراً للإنفاق الكبير على البنية الأساسية والطاقة والنقل والمواصلات والتعليم والصحة. ثم يبدأ ذلك المعامل بالانخفاض حيث تبدأ الانعكاسات الإيجابية لهذا الإنفاق الأولي على مجمل المشروعات فيتم استيعاب الأساليب الفنية الجديدة، ويرتفع مستوى إدارة المشروعات، ويتم تقليص الفاقد في الموارد المستخدمة.

3- محاذير استخدام المُعامل:
على الرغم من أهمية معامل رأس المال في تقدير الاستثمارات اللازمة لتحقيق معدل معين للنمو الاقتصادي إلا أن هناك العديد من المحاذير التي يجب وضعها في الاعتبار عند إجراء الحسابات اللازمة، ومن أهمها:
أ - افتراض ثبات قيمة المعامل العام لرأس المال خلال فترة تنفيذ الخطة متوسطة الأجل، مع أن قيمة ذلك المعامل تتغير وفقا للعوامل السابق ذكرها.
ب - افتراض عدم تغير الفن الإنتاجي، وبالتالي عدم تغير قيمة المعامل افتراض غير صحيح حيث غالبا ما يتم تعديل الفن الإنتاجي المستخدم أثناء تنفيذ الخطة.
ج - يختص معامل رأس المال بحسابات كمية الاستثمارات والدخل، ولا يختص بحسابات البنية الاجتماعية والعلاقات الإنسانية والسلوكية رغم أهميتها البالغة في عملية التنمية، وهذا النقد موجه لكافة حسابات النمو التي تعتمد على  القياسات الكمية وليس موجها إلى معامل رأس المال فقط.
ء - إذا ما تعرض المجتمع لحالات من الركود أو التضخم أثناء تنفيذ الخطة فإن ذلك ينعكس بشكل مباشر على معدلات النمو المحققة، ومن ثم يفقد معامل رأس المال أهميته.
هـ المعامل العام هو متوسط مرجح لمعاملات القطاعات، وإجمالي الناتج المحلي هو مجموع قيم السلع والخدمات التي يتم إنتاجها في مختلف تلك القطاعات والتي يخص كل منها معامل مختلف لرأس المال. ونظرا لصعوبة حساب الناتج المحلي لبعض هذه القطاعات فإن ذلك ينعكس بشكل مباشر على مدى دقة المعامل العام المحسوب.
و - عادة لا يتم التفرقة بين المشروعات الحكومية والمشروعات الخاصة داخل كل قطاع مما يؤدي إلى خطأ حسابي ناجم عن ارتفاع كفاءة استخدام الاستثمارات الخاصة في غالبية البلدان وبالتالي يكون هناك معاملان لرأس المال واحد للمشروعات الحكومية وآخر للمشروعات الخاصة في كل قطاع، واختلاف نسبة حجم الاستثمارات بين هذه المشروعات ينعكس بالتالي على قيمة المعامل العام.
ز - تزداد صعوبة الاعتماد على معامل رأس المال في البلدان المتخلفة نظرا لعدم توفر البيانات الدقيقة اللازمة للحساب، أو عدم دقة هذه البيانات في حال توفرها. بالإضافة إلى عدم الاستخدام الكامل للطاقة الإنتاجية أو الاستخدام غير الكُفء لهذه الطاقة مما ينعكس بالتالي على مصداقية قيمة معامل رأس المال المحسوب.
ع - بالنسبة للبلدان المتخلفة التي تعتمد علي مصدر واحد للدخل تتعرض قيمة معامل رأس المال للتباين الكبير من عام لآخر نظراً لارتباط تسويق هذا المنتج الوحيد بالسوق العالمي الذي تتعرض فيه الأسعار للاضطراب لأسباب ليست بالضرورة اقتصادية. ويتضح ذلك جليا في جميع البلدان التي يُعد فيها البترول مصدرها الأساسي إن لم يكن الوحيد للدخل.

ثانيا:أساليب حساب مُعامل رأس المال:
يتم حساب معامل رأس المال بأسلوب وحيد شائع يمكن أن نطلق عليه الأسلوب التقليدي، وهو أسلوب يصلح إلى حد كبير للبلدان التي تتميز بالتغير المنتظم في العوامل المؤثرة على النمو الاقتصادي، إلا أنه يفقد الكثير من المصداقية في البلدان التي تتميز بالتغيرات الحادة في تلك العوامل. وعلى ذلك سنحاول تقديم ثلاث أساليب جديدة لحساب معامل رأس المال بعد التعرف على الأسلوب التقليدي.
         
          ولتوضيح هذه الأساليب سنفترض البيانات التالية لدولة ما ترغب في تنفيذ خطة للتنمية الاقتصادية تغطي السنوات( 1996- 2000)، ولتقدير الاستثمارات اللازمة لتحقيق معدل النمو المستهدف كان لابد من تقدير معامل رأس المال استناداً إلى بيانات الدخل القومي والإنفاق الاستثماري خلال السنوات السابقة. وذلك على النحو المبين في الجدول التالي:

الدخل القومي ( Y)
الإنفاق الاستثماري ( I)
السنة
i
Y1
Y2
Y3
Y4
Y5
Y6
I1
I2
I3
I4
I5
I6
1990
1991
1992
1993
1994
1995
1
2
3
4
5
6

1- الأسلوب التقليدي للحساب:
يقصد بالأسلوب التقليدي الأسلوب الشائع لحساب معامل رأس المال، وفيه يتم الحساب بطرقة إجمالية. يتميز هذا الأسلوب بسهولة وسرعة الحساب، ويصلح في حالة سيادة الظروف العادية والنمو التدريجي خلال فترة التقدير. إلا أنه  يخفي التغيرات غير العادية التي قد تكون حدثت في أحد سنوات فترة التقدير. وباستخدام المثال الافتراضي فإن أسلوب الحساب التقليدي يتم على النحو التالي، وحيث  c  تعبر عن معامل رأس المال:


وباستخدام الرموز الافتراضية تأخذ المعادلة الشكل التالي:


          أي أن معامل رأس المال بهذه الطريقة يساوي خارج قسمة مجموع استثمارات الفترة من سنة الأساس ( I1)  إلى السنة( In-1)  على الفرق بين الدخل في السنة التالية للسنة( n-1)
أي  Yn  وبين الدخل في سنة الأساس ( Y1)  وذلك لتحقيق شرط تساوي عدد سنوات الاستثمار مع عدد سنوات فترة التغير في الدخل.

2- أسلوب المتوسط السنوي:
في هذا الأسلوب نقترح حساب معاملات رأس المال لكل عام على حده، ثم نقوم بحساب المتوسط الحسابي لهذه المعاملات السنوية خلال فترة التقييم. لذلك يمكن أن نطلق على هذا الأسلوب( أسلوب المتوسط السنوي). يتميز هذا الأسلوب بأنه يوضح التغيرات التي تحدث في قيمة معامل رأس المال خلال كل سنة من سنوات فترة التقييم، وبالتالي فإنه يساعد على دراسة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي أدت لحدوث هذه التغيرات وانعكست بالتالي على قيمة معامل رأس المال. كما أن المتوسط الحسابي يساعد على توزيع أثر التغيرات غير العادية التي قد تكون حدثت في أحد سنوات الفترة. كما تُمكن من استبعاد القيم الشاذة لمعامل رأسمال أحد السنوات التي قد تكون راجعة إلى ظروف غير طبيعية أصابت الاقتصاد القومي خلالها.

وباستخدام المثال السابق فإن أسلوب حساب المتوسط السنوي يمكن أن يتم على النحو التالي:


 
وباستخدام الرموز الافتراضية فإن المعادلة تأخذ الشكل التالي:




          أي أن المعامل السنوي لرأس المال    ciيساوي خارج قسمة استثمارات السنة   i  على الفرق بين الدخل للسنة التالية  i+1  وبين الدخل لذات السنة  i . أما المعامل العام  c  فيمثل المتوسط الحسابي للمعاملات السنوية المقدرة، أي خارج قسمة مجموع هذه المعاملات   åci   على عدد السنوات  N.

3- المتوسط السنوي مع فترة التوليد:
في هذا الأسلوب يتم حساب المعاملات السنوية لرأس المال مع الأخذ في الاعتبار فترة توليد العائد، بافتراض أن العائد من الإنفاق الاستثماري ينعكس على الدخل القومي بعد فترة زمنية تزيد عن فترة العام الواحد المتخذة كأساس للحساب في الأسلوبين السابقين، وعادة ما يتراوح متوسط تلك الفترة بين عامين وأربعة أعوام. وعلى ذلك فإن الحساب يتم عن طريق نسبة استثمارات العام ما إلى التغير السنوي في الدخل بعد عامين أو ثلاث أعوام أو بعد أربعة أعوام، وذلك وفقاً لمتوسط طول فترة التوليد التي يقدرها المختصون. ويتميز هذا الأسلوب بأنه يتلافى عيوب الأسلوب التقليدي حيث يتم الحساب سنويا، كما يتلافى عيوب أسلوب المتوسط السنوي الذي لا يأخذ في الاعتبار فترة التوليد.

 
          أي أن المعامل السنوي لرأس المال ci   يساوي خارج قسمة استثمارات السنة i    على الفرق بين الدخل في السنة i+3  والدخل في السنة i+2  في حالة فترة توليد قدرها ثلاث سنوات، أو على الفرق بي بين الدخل في السنة i+4  والدخل في السنة i+3  في حالة فترة توليد قدرها أربعة سنوات. أما المعامل العام لرأس المال  c  فيساوي المتوسط الحسابي للمعاملات السنوية المحسوبة وفقاً لسنوات التوليد المستخدمة.

4- أسلوب المتوسط المتحرك:
في هذا الأسلوب نقوم بالجمع بين البديلين الأول والثاني حيث تُجمع استثمارات كل سنتين متتاليتين ونسبتها إلى التغير في الدخل خلال السنتين التاليتين( بدلاً من التغير السنوي في الدخل). أو جمع استثمارات ثلاث سنوات متتالية ونسبتها إلى التغير في الدخل خلال السنوات الثلاث التالية... وهكذا، مع إمكانية أخذ فترة توليد العائد في الاعتبار، و بشكل عام فإنه يجب التأكد من تساوي فترة الاستثمار المُجمعة مع فترة التغير في الدخل. يتميز هذا الأسلوب بتوزيع أثر القيم غير العادية أو الشاذة التي قد تحدث في بعض سنوات الفترة محل التقييم، كما أن فكرة التحرك هنا تأتي عن طريق حذف عام في أول السلسلة الزمنية وإضافة عام بديل لنهاية الفترة المستخدمة( التي قد تكون سنتين أو ثلاث سنوات).
وباستخدام المثال السابق مع افتراض فترة توليد قدرها سنتين يمكن حساب معامل رأس المال بأسلوب المتوسط المتحرك على النحو التالي:



وباستخدام نفس الأسلوب لفترة ثلاث سنوات يمكن حساب المعامل على النحو التالي:



وباستخدام الرموز الافتراضية فإن المعادلات تأخذ الشكل التالي:


          أي أن معامل رأس المال للفترة  i  يساوي خارج قسمة مجموع استثمارات السنة i   والسنة  i+1  على الفرق بين الدخل في السنة  i+2  والدخل في السنة  i  وذلك في حالة المتوسط المتحرك لفترة سنتين، أو خارج قسمة مجموع استثمارات السنة  i  والسنة  i+1  والسنة  i+2  على الفرق بين الدخل في السنة  i+3  والدخل في السنة  i  وذلك في حالة المتوسط المتحرك لفترة ثلاث سنوات. أما المعامل العام لرأس المال   فيمكن الحصول عليه عن طرق المتوسط الحسابي للمعاملات المحسوبة وفقاً للفترات الزمنية.

5- الفوائد المباشرة لتطوير النموذج:
تتلخص الفوائد المباشرة لتطوير نموذج( هارود دومار) على النحو الذي اقترحناه من خلال معالجة معامل رأس المال إلى أنه:
أ -  " أصبح الآن أمام المُخطط أربعة أساليب لحساب المعامل العام لرأس المال، وما عليه إلا اختيار الأسلوب الأمثل الذي يتوافق مع طبيعة التطور الاقتصادي للمجتمع محل الدراسة " .
ب - " أو أن يقوم بحساب معامل رأس المال وفقاً للأساليب المتاحة، ثم يقوم بتحديد أدنى، وأقصى قيمة للمعامل يتم الاستناد إليهما في حساب أقصى وأدنى قيمة لمعدل النمو. وعلى ذلك يصبح من الممكن تحديد هدف للنمو الاقتصادي ينحصر بين مستويين مما يتيح للمخطط مرونة أكبر في العمل ".    
ثالثا: اختبار النموذج بعد التطوير:
كان من الضروري التأكد من صحة التعديلات المدخلة على النموذج بعد تطويره، وقبل التوصية بالأخذ بهذه التعديلات. ولتحقيق ذلك تم اختيار إحدى وعشرون دولة من دول العالم روعي فيها أن تكون ممثلة لكل من الدول الصناعية المتقدمة، والدول المتخلفة في كل من أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى الدول البترولية. وتم حساب معامل رأس المال على المستوى القومي لكل منها باستخدام الأساليب الثلاث المقترحة، بالإضافة إلى الأسلوب التقليدي الإجمالي وذلك استناداً إلى بيانات الناتج المحلي الإجمالي، والتكوين الرأسمالي الثابت المنشورة من قبل صندوق النقد الدولي عام 1990  والتي تغطي الفترة ( 1988 – 1980).

1-  نتائج التقديرات السابقة:
قبل عرض نتائج الحساب باستخدام النموذج بعد التطوير يجدر بنا التعرف على بعض التقديرات السابقة في هذا المجال. حيث نجد أن سينجر H. W. Singer  قدر معامل رأس المال في القطاعات الزراعية بنحو ( 6.0) وفي القطاعات غير الزراعية بنحو ( 4.0)، بينما وجد مانموهان سنج Manmohan Singh  أنها تبلغ نحو ( 2.9) في البلدان المتقدمة، ونحو( 4.0) في البلدان المتخلفة. أما تقديرات كل من روزنشتين رودان أرثر لويس( Rodan – Rosenstien – A. Lewis) فقد تراوحت في المتوسط بين( 4.0 – 3.0). وفي دراسة روستو W. W. Rostow لمراحل النمو بلغ ذلك المعامل نحو( 3.5 – 3.0) في مرحلة الانطلاق Take-off. كما اتفقت نتائج كل من كولن كلارك سيمون كوزنتيس ليبنشتين ( S. Kuzenets – Colin Clark – H. Leibenstein) على أن قيمة المعامل تكون مرتفعة في بداية عملية التنمية، ثم تأخذ في التردد بعد ذلك حتى تستقر على قيمة منخفضة. وفي دراسة للأمم المتحدة عام 1963 وجد أن 70% من البلدان النامية تتراوح قيمة المعامل فيها بين ( 4.0 – 3.0). وفي عام 1964 قام كل من بيير كريستنزكي( W. Baer – Kerstenetzky) بمحاولة لتقدير قيمة معامل رأس المال في عدد من البلدان، وكانت نتائجها على النحو التالي:
الولايات المتحدة            5.0                كولومبيا           3.7
ألمانيا الغربية               2.8                الإكوادور          2.3
بريطانيا                     6.5                البرازيل            2.3
فرنسا                       4.4                شيلي              4.2
إيطاليا                      3.6                نيكاراجوا          3.5
النمسا                      3.8                بورما              3.0
البرتغال                     4.0                تايلاند             2.8
اليونان                      2.2                الهند              2.2
بلجيكا                      5.0                الجزائر            2.5

2-  نتائج التقديرات بعد التطوير:
كانت نتائج تقديرات معامل رأس المال باستخدام البدائل الثلاث المقترحة على النحو التالي:
-    قيم مُعامل رأس المال المُتحصّل عليها باستخدام البديل الأول( أسلوب المتوسط السنوي) كانت أعلى من قيمة مُعامل رأس المال المُتحصّل عليها بالأسلوب التقليدي عدا ثلاث دول( الباكستان الجزائر ليبيا). أي نتائج 85.6% من بلدان العينة تدفع بقيمة المُعامل إلى أعلى، وذلك يعني ضرورة زيادة الاستثمارات لتحقيق معدل النمو المستهدف في حال استخدام مُعامل رأس المال المُتحصّل علية باستخدام البديل الأول.
-    قيم معامل رأس المال المُتحصّل عليها باستخدام البديل الثاني ( المتوسط السنوي مع فترة التوليد) كانت أقل من قيمة مُعامل رأس المال المُتحصّل عليها باستخدام الأسلوب التقليدي عدا تسع دول ( كندا اليابان فرنسا المجر كوريا المكسيك المغرب الأردن ليبيا). أي أن نتائج 57.1% من بلدان العينة تدفع بقيمة المُعامل إلى أسفل، وذلك يعني أنه يُمكن تحقيق معدل النمو المستهدف باستثمارات أقل في حال استخدام مُعامل رأس المال المُتحصّل عليه باستخدام البديل الثاني.
-    قيم رأس المال المُتحصّل عليها باستخدام البديل الثالث ( المتوسط المتحرك) كانت أعلى من قيمة مُعامل رأس المال المُتحصّل علية بالأسلوب التقليدي عدا سبع دول ( اليابان النمسا اليونان باكستان البرازيل مصر). أي أن نتائج 66.6% من بلدان العينة تدفع بقيمة المُعامل إلى أعلى، وذلك يعني ضرورة زيادة الاستثمارات لتحقيق معدل النمو المستهدف في حال استخدام مُعامل رأس المال المُتحصّل عليه باستخدام البديل الثالث.
            
3- مدى الاختلاف بين البدائل الثلاث:
بدراسة مدى الاختلاف داخل الفروق بين البدائل الثلاث وبين الأسلوب التقليدي للحساب نجد أنها على النحو التالي:
-هناك سبعة عشر بلداً، أي نحو 80.9% من بلدان العينة يقل فيها مدى الاختلاف في أسلوب حساب قيمة المعامل عن 0.5  مما يؤكد دقة الأساليب الثلاث المقترحة مقارنة بالأسلوب التقليدي. ومن هذه البلدان:
-         ( كندا بريطانيا فرنسا المجر البرازيل) يقل فيها مدى الاختلاف عن( 0.2).
-         ( النمسا اليونان كوريا باكستان المكسيك السنغال) ينحصر فيها مدى الاختلاف بين( 0.3 – 0.2).
-         ( اليابان كولومبيا مصر المغرب) ينحصر فيها مدى الاختلاف بين( 0.4 – 0.3).
-         ( البرتغال الهند) ينحصر فيهما مدى الاختلاف بين( 0.5 – 0.4).

-هناك أربعة بلدان فقط، أي نحو 19.1%  من بلدان العينة يزيد فيها مدى الاختلاف عن 0.7، وهذا يعني أن نتائج الحساب لهذه البلدان تُمثل قيم شاذة. وقد تجاوز مدى الاختلاف الواحد الصحيح في دولة واحدة هي الأردن، بينما بلغ الانحراف في حالة ليبيا 3.6. وبالبحث عن مصدر ذلك الاختلاف الواسع في حالة ليبيا نجد أنه تمثل في البديل الثاني ( المتوسط السنوي مع فترة التوليد) وبين الأسلوب التقليدي، وبالعودة إلى تقارير متابعة المشروعات في ليبيا نجد أن تلك النتائج صحيحة إلى حد بعيد وذلك بسبب وجود العيد من المشروعات التي بُدأ في تنفيذها منذ أكثر من عشر سنوات ولم تدخل حتى الآن مرحلة الإنتاج، مما يعني طول فترة التوليد بشكل غير عادي.

4-  النتائج النهائية:
بعد الحصول على النتائج النهائية لحساب مُعامل رأس المال تبين أن هناك ستة عشر بلداً، أي نحو 76.2% من بلدان العينة يقل فيها المُعامل عن 3.0 وذلك على النحو التالي:
-    ( اليونان المكسيك البرازيل كولومبيا) يقل فيها المُعامل عن    1.0، وهي كما نرى بلدان تتشابه ظروفها الاقتصادية خاصة البلدان الثلاث الأخيرة، وهي تنتمي إلى مجموعة البلدان المتخلفة، أما اليونان فهي تُعد من البلدان الأوربية الفقيرة.
-    ( البرتغال الهند باكستان إندونيسيا السنغال مصر)  ينحصر فيها مُعامل رأس المال بين( 2.0 – 1.0)، وهي أيضاً من مجموعة البلدان المتخلفة، عدا البرتغال التي تُعَد أيضاً من البلدان الأوربية الفقيرة. وهذا يعني أن هذه البلدان رغم واقع التخلف الذي تعيش فيه إلا أن نتائج الاستثمار الجاد يمكن أن تحقق معدلات عالية للنمو الاقتصادي.
-    ( بريطانيا كندا فرنسا المجر كوريا المغرب) ينحصر فيها مُعامل رأس المال بين( 3.0 – 2.0)، وتُعَد البلدان الأربعة الأولى من البلدان المتقدمة، كما أن كوريا حققت في السنوات الأخيرة معدلات عالية للنمو الاقتصادي، أما المغرب فإنها تنتمي لمجموعة البلدان المتخلفة مما يعني أن هذه المجموعة من البلدان المتقدمة لا تزال تمتلك إمكانيات لتحقيق معدلات معقولة للنمو الاقتصادي.
-    ( النمسا الجزائر) تراوح فيها المُعامل بين( 5.0 – 4.0)،( اليابان الأردن) تراوح فيها المُعامل بين( 6.0 – 5.0). ذلك يوضح أن هناك دولتان تنتميان إلى البلدان المتقدمة هما النمسا واليابان، وهذا يعني انهما تجاوزتا مرحلة معدلات النمو المتسارعة، بينما يدل وجود كل من الجزائر والأردن وهما من البلدان المتخلفة أنهما يُعانيان من مشاكل اقتصادية  ويحتاجان إلى ضعف الاستثمارات اللازمة لتحقيق نفس معدل النمو لمجموعة البلدان المذكورة في الفئة الثانية.
-     تمثل الدولة الأخيرة في مجموعة بلدان العينة وهي ( ليبيا) وضعاً محيراً فقد بلغ مُعامل رأس المال بها نحو 13.57، وهو كما نرى رقماً بالغ الارتفاع. ويعني أن تحقيق معدل نمو ضئيل للغاية يستلزم استثمارات باهظة التكاليف، ويؤكد هذا تدهور معدلات النمو الاقتصادي في ليبيا خلال تلك السنوات. إلا أن مثل هذا الوضع يستلزم دراسة خاصة للتعرف على هذا الارتفاع المُبالغ فيه لقيمة مُعامل رأس المال.

جدول رقم( 15): بيان بقيم مُعاملات رأس المال لبلدان العينة.


البيان
البلدان المتخلفة
البلدان المتقدمة
الدولة
%
الدولة
%
أقل من 2.0
المكسيك البرازيل كولومبيا باكيتان إندونيسيا السنغال مصر.
66.7
اليونان البرتغال.
25.0
3.0 – 2.0
كوريا المغرب.
16.7
بريطانيا كندا فرنسا المجر.
50.0
4.0 – 3.0
-
-
-
-
5.0 – 4.0
الجزائر
8.3
النمسا
12.5
6.0- 5.0
الأردن
8.3
اليابان
12.5
المجموع
12
100
8
100
المصدر:
- محمد مدحت مصطفي: دراسة نظرية لمعامل رأس المال وأسلوب حسابه، المجلة المصرية للاقتصاد الزراعي، المجلد الثاني، العدد الثاني، القاهرة، سبتمبر 1992م، ص 551.



[1] - يستند هذا العمل بصفة كاملة إلى الورقة البحثية التي أعدها المؤلف الثاني بعنوان "حول مُعامل رأس المال وأسلوب حسابه"، والتي تم نشرها في مجلة "الاقتصاد الزراعي" بالعدد الثاني من المجلد الثاني في سبتمبر 1992م.

دكتور/ محمد مدحت مصطفى
أستاذ الاقتصاد االزراعي بجامعة المنوفية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق