السبت، 7 فبراير، 2015

نشأة وإقرار الملكية الفردية للأراضي الزراعية في مصر


لما كانت حيازة الأرض هي إطار النشاط الإنتاجي الزراعي سواء بعمل الفلاحين كمنتجين مباشرين، أو باستخدام العمل المأجور؛ فان دراسة الاقتصاد الزراعي يجب أن تقوم علي الحيازة وليس على الملكية، مع عدم إهمال ملكية الأرض على اعتبار أنها أساس الدخل الريعي للملاك. لذلك نحاول في هذه الدراسة إعادة بحث الموضوع انطلاقا من تلك الفكرة واستنادا إلي الوثائق والدراسات العلمية في محاولة للتعرف على تطور أشكال حيازة الأراضي الزراعية في مصر منذ نشأة الدولة المصرية القديمة إلى نهاية القرن التاسع عشر
، بما في ذلك مجمل حقوق الملكية والتي تتضمن بالإضافة لحق الرقبة حق الانتفاع، وحق الإرث، وحق الرهن، وحق الوقف، وحق الهبة. وتستمر الدراسة وصولاً للإقرار القانوني للملكية الفردية للأرض الزراعية عند نهاية القرن التاسع عشر، مع التركيز على الأشكال الثلاث لحيازة الأرض الزراعية التي استمرت طوال التاريخ المصري المكتوب مع تغير نسبها، وهي: حيازة الدولة ، وحيازة المؤسسات الدينية "الأوقاف"، وحيازة الأفراد. وسنحاول هيكلة أنماط الحيازة في عرض  جدولي لكل مرحلة بحيث يمكن تتبع أصول كل نمط في المرحلة السابقة عليه. أما التقدير النسبي لمساحة الحيازات فقد استند إلى استقراء الوقائع "الاقتصادية- الاجتماعية" لكل مرحلة حيث لا تتوفر بيانات إحصائية.

  من المعروف أن هناك العديد من الدراسات التي اهتمت بموضوع ملكية الأرض الزراعية وحيازتها نظراً لأنه يُشكل إحدى القضايا المحورية عند دراسة علاقات الإنتاج في الريف المصري. إلا أن هذه الدراسات تميزت بظاهرتين أحدثتا ضررا بالغا بالموضوع: الظاهرة الأولى تمثلت  في الانحياز الأيدلوجي المُسبق لغالبية الباحثين نحو فكرة انعدام الملكية الخاصة للأرض الزراعية استنادا إلي مقولة الحق الإلهي للفرعون في وراثة كل مصر، وامتداد آثار تلك المقولة إلى نهاية القرن الثامن عشر. ويمكن هنا التفرقة بين مدرستين، استندت الأولي لفكرة التطور التاريخي للمجتمعات وفقا للنمط الأوربي للإنتاج "مشاعة بدائية - عبودية - إقطاع رأسمالية"، بينما استندت الثانية لفكرة التطور التاريخي للمجتمعات وفقا للنمط الآسيوي للإنتاج "مشاعة بدائية - عبودية معممة رأسمالية". وجاءت الظاهرة الثانية نتيجة منطقية للأولي حيث تمت دراسة كل مرحلة من مراحل التاريخ المصري -من الناحية العملية- بشكل منفصل رغم الادعاء النظري بتواصل المراحل  نظرا لاستخدام الباحثين لأسلوب القياس علي الأنماط التي عرفتها المجتمعات الأوربية أو المجتمعات الآسيوية النهرية. وصحيح أن الباحث في التاريخ المصري يجد أن الملكية العامة للأرض كانت أكثر شيوعا من الملكية الخاصة، حيث تتواتر الأساطير والحكايات الشعبية عن ملكية الفرعون لكل أرض مصر، إلا أن ذلك لا يلغي الملكية الخاصة للأراضي والتي كانت تجد طريقها من خلال قناتين رئيسيتين هما أراضي الوقف على المنشآت الدينية والخيرية، وأراضي الرزقة التي يمنحها الحكام للمقربين وكبار رجال الدولة وقادة الجيش.

          يهتم الكتاب أيضاً بدراسة تطور أنماط استغلال تلك الأراضي مِلكاً كانت أم إيجاراً، ودراسة عقود إيجار الأراضي الزراعية التي توفرت في البرديات المصرية خاصة خلال العهدين البطلمي والبيزنطي، وكذلك فترتي الحكم العربي والحكم العثماني، وانتهاء بنموذج لعقد إيجار عند نهاية القرن التاسع عشر، مع تقديم دراسات حالة لثلاث قرى مصرية توفرت بياناتها خلال ذلك القرن. ويقصد بأنماط الاستغلال الاقتصادي للأراضي الزراعية طريقة الاستغلال التي يتبعها حائز الأرض بغرض الحصول على الناتج، وبشكل عام ظل هناك نمطين دائمين للاستغلال الزراعي هما الاستغلال المباشر والاستغلال غير المباشر. وعلي ذلك سنحاول التعرف علي الأنماط الايجارية السائدة وجملة الحقوق والواجبات علي الأطراف المتعاقدة من خلال دراسة ما توفر من وثائق عقود الإيجار في المراحل التاريخية المختلفة، وأيضاً من خلال القوانين التي كانت تنظم تلك العملية في كل مرحلة تاريخية. أما الموضوع الثالث والأخير في هذا القسم فيختص بدراسة ظاهرة هجرة الأرض والهروب الجماعي للفلاحين. وبدأ الكتاب بتقديم بانوراما تاريخ الحكم في مصر، وهو ما يُمكن اعتباره دليل تاريخي يساعد القارئ على التتبع التاريخي لموضوعات الكتاب.

وإذا كان الخِلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية، فإنني لا أزال على قناعة تامة بأنه يستحيل دراسة موضوعات عِلم الاقتصاد بمعزل عن الواقع الاجتماعي الذي تنشأ وتتطور فيه، وبصفة خاصة الشكل المؤسسي في المجتمعات لما له من تأثير مباشر على سلوك الأفراد. ولا أزال على خلاف تام مع البعض من أساتذة الاقتصاد الزراعي، خاصة من كان منهم في مقاعد الحُكم والتقييم، والذين لا يرون من أدوات التحليل الاقتصادي سوى أدوات التحليل الكمي. فهذا يوقعهم أسرى حلقة الاهتمام الشديد بالتحليل الرياضي ومعادلاته الأنيقة، عِلماً بأن عِلم الاقتصاد ليس بعِلم القياس الدقيق مهما كانت درجة شمول وتعقيد النماذج الرياضية المُستَخدمة. فهذه الأدوات والنماذج الرياضية قد تصلح لقياس الاتجاه العام لبعض الخصائص الكمية للظواهر الاقتصادية، لكنها بالتأكيد لا تصلح لدراسة جميع الظواهر. وتظل قضية استخدام المنهج المُناسب للدراسة من أهم القضايا التي تواجه الباحث الاقتصادي. أحاول بهذه الطبعة الجديدة أن أقدم مثالاً للتفاعل العِلمي مع الآراء الناقدة سلباً وإيجاباً- فالتطور هو سنة الحياة، مع الأخذ بمبدأ الإمام الشافعي "رأي صواب يحتمل الخطأ، ورأي الآخرين خطأ يحتمل الصواب"، وأرجو أن أكون قد وفقت في ذلك.
         
          ومن الناحية المنهجية فإن هذا الكتاب لا  يقدم دراسة تاريخية للاقتصاد الزراعي المصري، بل يقدم دراسة اقتصادية بمنهج تاريخي، بمعنى أنه يهتم أساساً بدراسة الظاهرة الاقتصادية محل الاعتبار في سياقها التاريخي، مع محاولة البحث عن المتغيرات المؤثرة عليها. وهنا لا نملك إلا أن نوجه الشكر للباحثين المختصين بدراسة التاريخ المصري في جميع مراحله ، والذين بدون جهودهم القيمة ما كان لمثل هذه الدراسة أن تظهر للوجود حيث أنها تستند بالدرجة الأولى إلى نتاج أعمال هؤلاء الباحثين. وأتمنى أن أكون قد وُفقت في تحقيق بعض أهداف هذا المُؤلف، وإضافة جديد إلي مكتبة الاقتصاد الزراعي في صورة تسمح بالاستفادة لكل من الطلاب والباحثين وذوي الاهتمام بالموضوع.










ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق