السبت، 24 يناير، 2015

لماذا أقول لا لبيع اراضي الدولة

بمناسبة القرار الحكيم بعدم تملك الأراضي الحدودية حتى مسافة خمسة كيلومترات في سيناء وكنت أتمنى أن تكون لكل أراضي سيناء. وذلك للأسباب التالية :
بصدور القانون الخاص بإقرار الملكية الفردية للأرض الزراعية عام 1896م كان من الطبيعي أن كان  الأجانب نحو ملكية الأرض الزراعية. لكن عند أربعينات هذا القرن وبنهاية العالمية الثانية كانت ملكية الأجانب للأراضي الزراعية في مصر محل انتقاد عدد كبير من المفكرين الذين كانوا ينادوا بالإصلاح الزراعي بشكل عام. ففي فبراير 1947م تقدم على الشيشيني عضو مجلس النواب بطلب للبرلمان لكي تقوم الحكومة بشراء الأراضي التي يمتلكها الأجانب
، وقال ”ليس هناك بلد في العالم يبيح للأجانب تملك الأراضي فيه، حتى السودان لا يبيح ذلك ولو للمصريين أنفسهم، ويجب على الحكومة المصرية أن تعمل على شراء الأراضي المملوكة للشركات الأجنبية وتوزعها على صغار الفلاحين بثمن مقسط على آجال طويلة وبفائدة مخفضة”. وفي مارس 1948م تقدم فخري عبد النور عضو مجلس النواب بطلب مماثل، وقال ”يا حضرات النواب إننا في أشد الحاجة إلى تحريم تملك الأجانب للأراضي الزراعية، بل اكثر من هذا يجب أن تستولى الحكومة على الأراضي التي يمتلكها هؤلاء الأجانب بعد تعويضهم عنها" 

وفي ديسمبر من نفس العام تقدم عبد الرحمن الرافعي عضو مجلس الشيوخ بمشروع قانون يجعل ملكية الأراضي الزراعية مقصورة على المواطنين، وقال "يجب وضع تشريع يجعل ملكية هذه الأراضي والعقارات عامة من حق المواطنين وحدهم، لأنه إذا لم يوضع تشريع بمنع تسرب الأراضي الزراعية إلى الأجانب فإن الاستقلال الاقتصادي يتصدع، وبخاصة في بلاد لا يزال اقتصادها هو الزراعة. وليس هذا التشريع بدعا من القوانين فهو متبع في معظم البلدان.... وتحرص الأمم على حفظ كيان أملاكها الثابتة وجعل ملكيتها مقصورة على المواطنين، لأنها بوصف كونها ثابتة لا منقولة تعتبر ملتصقة بأرض الوطن، بل هي جزء منه. ومن ثم تمنع الحكومات تملك الأجانب لها حفظا لكيان الوطن ذاته، ولقد سارت مصر على هذه القاعدة حتى منتصف القرن التاسع عشر إذ كانت قوانينها المقتبسة من قوانين تركيا وقتئذ لا تجيز التصرف للأجانب في الأراضي والعقارات.... وفضلا عن أن في انتقال هذا الجزء الكبير من الأملاك الثابتة إلى أيدي الأجانب خطر على الكيان القومي، فليس معروفا إلى أي مدى يستفحل هذا الخطر في المستقبل.... وليس في هذا المشروع مساسا بالحقوق المكتسبة للأجانب فإنه لا يسري على ما يملكونه قبل أن يصبح قانونا، بل يبقى ملكا لهم، ولا يسري كذلك على ما يؤول إليهم بعد صدوره بطريق الإرث. وبذلك تُصان الحقوق المكتسبة للأجانب من كل وجه"

وقد استمرت مناقشات مشروع هذا القانون حتى وافق مجلس النواب عليه في جلسة 12 فبراير 1951م، وصدر تحت رقم 37 لسنة 1951م. وجاء في مادته الأولى”يحظر على غير المصريين سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أم اعتباريين اكتساب ملكية الأراضي الزراعية والأراضي القابلة للزراعة والأراضي الصحراوية بالمملكة المصرية. ويشمل هذا الحظر الملكية التامة كما يشمل ملكية الرقبة أو حق الانتفاع”. وجاء في المادة الثانية ”يُستثنى من حكم المادة الأولى بأنه يجوز لغير المصري اكتساب ملكية الأراضي الزراعية إذا آلت إليه بطريق الإرث أو الوصية من أجنبي، أو إذا كانت موقوفة وآلت إليه بسبب انتهاء الوقف، أو إذا كان غير المصري له حق امتياز البائع ورسا عليه مزاد الأرض التي له عليها هذا الحق، أو إذا كان غير المصري شركة مساهمة تقوم بالأعمال المصرفية وكانت مرتهنة ورسا عليها مزاد الأرض المرهونة. ويُستثنى من المادة الأولى الأرض الداخلة في نطاق المدن المحددة بمرسوم”. وقد أباح القانون تملك الأجانب للعقارات المبنية المخصصة للسكنى أو إذا كان الغرض منها إقامة المصانع أو المتاجر حتى لا يُضّيق التشريع مجال النشاط الاقتصادي الصناعي والتجاري والمالي في البلاد إذا ساهمت فيه رؤوس أموال أجنبية.

كان السبب الرئيسي لهذا الاتجاه المُعارِض لملكية الأجانب، أن بعض الأجانب من اليهود حاولوا تملك مساحات كبيرة من الأراضي في مناطق الحدود بين مصر وفلسطين ضمن مخطط يستهدف سيطرة اليهود على هذه المناطق الهامة والاستراتيجية، وتأسس مصرف بالقدس لتمويل هذه العمليات عُرف باسم مصرف (الأنجلو فلسطين) وهو بنك ليومي حالياً. وعندما فشل اليهود في تحقيق ذلك استعانوا بأحد رجال السلك السياسي الأجنبي الذي قام بالفعل بشراء مساحات كبيرة من الأراضي من أعراب المنطقة بأسعار مغرية، وقد بلغت مساحة تلك الأراضي عشرة آلاف دونم تعادل نحو 2380 فدان، ثم تنازل عن تلك العقود لبنك (الأنجلو فلسطين) المشار إليه وذلك بموجب عقود تم تسجيلها في محكمة المنصورة المختلطة، وصُدْق على العقد (توقيع وتاريخ) أمام محكمة العريش الشرعية. ومن ثم تقدم وكيل البنك مطالبا بتمكين البنك من وضع اليد على الأرض المشتراة. ولكن الحكومة وقفت في سبيل اكتسابهم صفة الملكية بوضع اليد أو سواه. وقد دفع هذا الحادث الحكومة إلى إصدار الأمر العسكري رقم 62 لسنة 1945م الذي جاء فيه” يُحظَر على كل شخص طبيعي أو معنوي أجنبي الجنسية أن يمتلك بأي طريق كان غير الإرث عقارا كائنا بأحد المناطق التي تقوم على إدارتها مصلحة الحدود ويسري هذا الحظر على كل وقف أجنبي وتقرير حقوق عينية له”. ورغم صدور هذا الأمر العسكري استمر نظر هذه القضية حتى عام 1947م حيث دخلت مصلحة الحدود خصما جديدا.

أي أن حق الأجانب في تملك العقارات ظل قائما طوال قرابة مائة عام حتى صدر الأمر العسكري رقم 62 لسنة 1945م والخاص بحظر تملك الأجانب للأراضي الصحراوية وخاصة الحدودية، ثم صدور القانون رقم 37 لسنة 1951م الخاص بحظر تملك الأجانب الأراضي الزراعية وما في حكمها من الأراضي القابلة للزراعة والأراضي الصحراوية. ثم أكد دستور 1956م هذا الحظر في نص صريح. وعندما صدر قانون الإصلاح الزراعي عام 1952م فإن أحكامه كانت سارية على جميع المُلاّك مواطنين وأجانب، ولم يصدر أي شيء جديد خاص بالأجانب في هذا المجال حتى عام 1963م عندما صدر القانون رقم 15 الذي نص على حظر تملك الأجانب سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أم اعتباريين للأراضي الزراعية وما في حكمها. وقد جاء هذا القانون ليسد الثغرة التي كانت قائمة في قانون 37 لسنة 1951م، الذي استثنى الأراضي المملوكة قبل صدور هذا القانون. فقد نص القانون الجديد على حظر اكتساب الملكية للأجنبي على الأرض الزراعية أيا ما كان الطريق المُكسِب لذلك، وفي حالة ما تؤول الملكية إليه بسبب غير إرادي كالميراث أو الوصية، تستولي الحكومة على تلك الأراضي مقابل التعويض المقرر وفقا لأحكام القانون. أما الأجنبي فهو كل شخص لا يحمل جنسية جمهورية مصر العربية. وقد استثنى القانون الفلسطينيون بصفة مؤقتة، ثم أضيف إليهم الليبيون بمقتضى القانون رقم 33 لسنة 1972م. إلا أنه عاد وألغى الاستثناء الخاص بـ الفلسطينيون بمقتضى القانون رقم 104 لسنة 1985م. كما استثنى القانون الجمعيات الخيرية الأجنبية التي كانت قائمة وقت صدور قانون الإصلاح الزراعي، وكذلك المجمع المقدس بروما (الكرسي الرسولي) بمقتضى القانون رقم 35 لسنة 1971م.


وبعد نحو عشرون عاما، وفي إطار تشجيع الدولة لعمليات استصلاح واستزراع الأراضي الصحراوية صدر القانون رقم 143 لسنة 1981م ليُعدّل الحد الأقصى للملكية الفردية في الأراضي الصحراوية ويسمح بطريق غير مباشر بمشاركة رأس المال الأجنبي في الشركات الزراعية، حيث اشترط لقيام هذه الشركات ألا تقل ملكية المصريين عن 51% من رأسمال الشركة ولا يجوز أن تؤول أراضي الجمعيات التعاونية أو الشركات عند انقضائها إلى غير مصريين. أما بخصوص الحد الأقصى للمساحة المسموح بتملكها فكانت على النحو التالي:
-في حالة الأراضي الصحراوية التي تعتمد في ريها على المياه الجوفية أو الطرق الحديثة كالرش والتنقيط، أو أي أسلوب للري يعتمد على ضغط المياه فإن الحد الأقصى يكون لشركات الأشخاص والتوصية بالأسهم عشرة آلاف فدان بمراعاة ألا يجاوز الحد الأقصى لملكية الفرد 150 فدان، أما في حالة الشركات المساهمة فإن المساحة ترتفع إلى خمسون ألف فدان.
- في حالة الأراضي الصحراوية التي تعتمد على أسلوب الري السطحي، فإن الحد الأقصى للملكية يتحدد بنصف الحدود القصوى المشار إليها في النوع الأول من الأراضي

وفي عام 1988م صدر القانون رقم 55 الذي يُبيح لرئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الوزراء معاملة من يتمتع بجنسية إحدى الدول العربية معاملة المصريين في هذا القانون. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق